حسن الأمين
45
مستدركات أعيان الشيعة
مؤامرة لقتل آقا محمد خان قاجار دخل « آقا محمد خان قاجار » إلى تبريز ونزل في قلعتها . وفي ليلة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة 1205 ه . انعقد مجلس في بيت « محمد علي خان جوجوق » أحد رؤساء أذربيجان ، حضره جماعة من الرجال كان الأعيان فيهم خمسة هم صاحب المنزل وحفيده « محمد تقي خان شام بياتي » و « محمد علي خان بيكلر بيكي » ، وكان قد حضر من « أرومية » لاستقبال « آقا محمد خان قاجار » والإعلان بطاعته له - و « محمد خان عز الدين لو » وأخوه « محمد زمان خان » و « محمد ولي آقا » . وحضره أيضا غيرهم ممن هم دونهم في المرتبة . في هذا المجلس اتفق الحاضرون على وجوب قتل « آقا محمد خان » . بان يطلبوا منه إذنا بالدخول عليه لتقديم هدايا إليه . فإذا دخلوا انقضوا عليه وقتلوه . وعين « آقا محمد خان » لهم موعدا للدخول عليه يوم 29 ربيع الآخر سنة 1205 ه . ولكن أحدهم « محمد علي خان بيكلر بيكي » حاكم « أرومية » أطلع « آقا محمد خان » على المؤامرة فتهيأ لها . فلما حضروا إلى القلعة - وكانت عدتهم ستة عشر - أطبق عليهم رجال « آقا محمد خان » ليعتقلوهم . ولكنهم قاوموهم وقتلوا بعضهم . وسقط من المتأمرين ستة بين قتيل وجريح . واعتقل التسعة الباقون . فأمر « آقا محمد خان » بقتل اثنين منهم وإعماء ثلاثة والعفو عن الباقين . زحف الخان الزندي إلى أصفهان قبل ذهاب « آقا محمد خان » إلى أذربيجان أرسل ابن أخيه « فتح علي خان قاجار » الملقب ب « خان بابا جهان باني » بجيش إلى أصفهان يرابط فيها تحسبا لهجوم يقوم به « لطف علي خان زند » عليها . وفي أول شهر جمادى الآخرة سنة 1205 هبلغ إلى « فتح علي خان » خبر بان « لطف علي خان زند » سار بجيش قيل إن عدته كانت عشرين ألف فارس قاصدا إلى أصفهان . فبادر إلى ملاقاته في خارج أصفهان ليتفادى الحصار . وقيل إن عدة جيشه كانت خمسين ألفا بين راجل وفارس . والتقى الجمعان عند محلة معروفة باسم « سميرم » يوم الرابع عشر من شهر جمادى الآخرة سنة 1205 ه . وفي اليوم التالي ( 15 جمادى الآخرة ) بدأ « لطف علي خان زند » الهجوم وأبدى جنده شجاعة فائقة واستطاعوا الوصول إلى بعض أقسام الجيش القاجاري حيث دارت الحرب بالسلاح الأبيض . ولكن الجيش القاجاري لقيهم بمقاومة شديدة وأوقع بهم قتلا كثيرا ، فرأى « لطف علي خان زند » أن يتراجع وإلا عرض جيشه للفناء ، فتراجع ، وأخذ يعيد تنظيم جيشه ويستقدم نجدات . واستقر كل من الجيشين في مكانه ، لا يقدم على عمل حربي سوى عمليات الاستكشاف مدة عشرة أيام . ورأى « خان بابا جهان باني » أن خصمه قوي قد لا يقدر عليه . خصوصا حين بلغه أن جندا من أهل ولاية « بوير » ( 1 ) الشجعان قد قدموا إلى نجدته . عندئذ ارتاى « خان بابا جهان باني » أن يضعف خصمه بإيقاع الاختلال في داخل عسكره . فبعث برسالة إلى « عبد الرحيم خان » الشيرازي أحد وجهاء الإقليم المحاربين ، وكان لديه جماعة من البندقيين يأمر عليهم . وهو أخو « الحاج إبراهيم الشيرازي » كلانتر شيراز ، وقد مر ذكره في ما سبق من هذا البحث . وأرسل إليه مع الرسالة ألف ليرة ذهبية . وطلب منه الحضور إليه للمذاكرة في موضوع مهم . وأجاب « عبد الرحيم » الدعوة وحضر إلى « خان بابا جهان باني » . واتفقا على أن يلتحق « عبد الرحيم » بجند « لطف علي خان زند » ليقوم باعمال تخريب من الداخل . ومضى « عبد الرحيم خان » الشيرازي إلى « لطف علي خان زند » فانخدع به وقبله في حزمته . وكانت نتيجة دسائسه أن مني « لطف علي خان زند » بالهزيمة في حملة مباغتة قام بها « خان بابا جهان باني » على معسكره ليلة الخامس والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة 1205 ه [ ع ] ق . ( 2 ) وكان « لطف علي خان زند » ينوي القيام بالهجوم على العسكر القاجاري في صباح تلك الليلة . الخان الزندي بعد الهزيمة كان « لطف علي خان زند » من متانة الخلق بحيث لا تضعضعه النوائب ولا يستخفه النصر والفوز ، بل يبقى أبدا على مظهره المعهود متيقظا مجتمع الشؤون في جميع حالات الشدة والفرج . وهكذا كانت حاله بعد تلك الهزيمة الهائلة . فكانت طباعه وتصرفاته في اليوم التالي ، وهو شريد طريد ، هي نفسها طباعه وتصرفاته التي كانت له في اليوم السابق ، وهو في مقدمة فرسانه الكماة الشجعان !
--> ( 1 ) ولاية في إقليم فارس يعد أهلها أشجع أهالي ذلك الإقليم . ارتد عنها كل الفاتحين منهزمين . ولم يقدر على احتلالها أحد سوى « تيمور لنك » ، ولكن بعد أن تكبد خسائر جسيمة . ومع ذلك عجز عن الاستقرار فيها إذ استمر أهلها في مقاومته حتى اضطر إلى إحراق غابتها العظيمة الملتفة ، وكان البويريون يتخذون منها حصنا . وبعد إحراقها لم يستطع أيضا إدامة الاحتلال واضطره البويريون إلى الجلاء عنها . ( 2 ) ذكر « جان غوره » مؤلف كتاب « الخصي المتوج » أن « عبد الرحيم خان » الشيرازي واطا « خان بابا جهان باني » في السر على أن يهيأ هذا جمالا تنصب على ظهورها مشاعل . فإذا حل الليل أوقدت هذه المشاعل ثم طردت الجمال بالصياح والنخس وضرب الطبول صوب معسكر « لطف علي خان زند » حيث تقوم مرابط خيول الفرسان ، على حين يكون رجال « عبد الرحيم خان » قد قطعوا الحبال التي تشدها إلى المرابط . فتذعر الخيل من منظر الجمال المشتعلة ، والخيل ، بطبيعتها ، تنفر أيضا من رائحة الجمال ، وتركض هائمة على غير هدى ، وجند « لطف علي خان زند » نيام ، فندوس الخيل من ندوس منهم وتهدم من الخيام ما تهدم ، ويقع العسكر في المباغتة والتشويش والبلبلة والتشتت ، على حين يقوم عسكر « خان بابا جهان باني » بالهجوم على المعسكر ويستولي عليه ويتحقق له النصر . فهيأ « خان بابا جهان باني » أربعمائة جمل ونصب على ظهورها المشاعل . وفي ليلة الخامس والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة 1205 هأنفذت هذه الخطة . وتحقق النصر للجيش القاجاري وتراجع « لطف علي خان زند » منهزما كما توقعوا . ولكنها قصة نراها أشبه بالأسطورة منها بالحقيقة . وقد رويت واقعة شبيهة بها قيل إن « نادر شاه أفشار » قام بها وهو يغزو الهند ، وأوقع الذعر بالفيلة من جيش العدو بإطلاق الجمال المشتعلة نحوها . والمحقق هو أن « عبد الرحيم خان » الشيرازي وغيره من ذوي « حاج إبراهيم كلانتر » الذين اندسوا في عسكر « لطف علي خان زند » قد أوقعوا فيه اختلالا بتعمد الإساءة في تدبيرة الخطط أو في إنفاذها وفي التوجيه وبمخالفتهم أوامر « لطف علي خان زند » . فانتهى أمره إلى الهزيمة .